جلال الدين الرومي
55
فيه ما فيه
في الحوض . كل العقلاء يعلمون أن الماء لا يأتي من فم الطائر الحجري بل يأتي من مكان آخر . والإنسان إن وددت أن تعرفه فجره إلى الكلام حتى تفهم طبيعته ولو كان أريبا وداهية ، وأوصاه أحد بتعمد تحسين كلامه حتى لا تعرف حقيقته ؛ لأن الرجل يعرف من كلامه . كتلك الحكاية ، وهي أن طفلا قال لأمه ، وهما من البدو : يظهر لي في الليلة المظلمة سواد مفزع كأنه عفريت فأشعر بالخوف الشديد ، فقالت أمه لا تخف فإن رأيت هذه الصورة فتجرأ واهجم عليه فيظهر لك أنها مجرد خيال . فقال أي أمي ولو أن هذا السواد أوصته أمه بنفس وصيتك لي فماذا أفعل ؟ والآن إذا أوصته بالصمت حتى لا يظهر على حقيقتة فأنى لي أن أعرفه ؟ قالت اصمت أنت في وجوده واسكن واصبر حتى تخرج كلمة من فمه ؛ فإذا لم تخرج فربما يخرج من لسانك أنت كلمة رغما عنك أو تخطر في خاطرك كلمة أو فكرة فتعلم حقيقة من تلك الفكرة والكلمة ؛ لأنك إذا تأثرت به ارتسم بخاطرك صورة له وأحواله التي انكشفت في داخلك . كان الشيخ الرازي رحمه الله يجلس بين مريديه ، وكان أحدهم قد اشتهى ذرة مشوية ، فأمر الشيخ بأن يؤتى إليه بهذه الذرة المشوية ، فقالوا علمت يا شيخنا أنه لا يطلب هذه الذرة غير الأطفال ، فقال فقد مضى علىّ ثلاثون سنة ولم يعد بي حاجة إلى تناول ما أرغب تناوله وقد طهرت نفسي عن كل الرغائب وأنا منزه عن المشتبهات قد صرت كالمرآة الصافية الخلو من الصور ، وكان قد ورد بخاطرى شهوة الذرة المشوية وألحت على فعلمت أنها ظهرت فىّ شهوة هذا المريد ؛ لأن المرآة التي بلا صورة إن بدا عليها صورة كانت صورة الغير .